محمد بن وليد الطرطوشي

385

سراج الملوك

الباب الثاني والخمسون في بيان الصفات المعتبرة في الولاة اعلم أرشدك اللّه تعالى : أن منزلة العمال من الوالي ، منزلة السلاح من المقاتل ، فاجتهد جهدك في ابتغاء صالح العمّال . وإذا فقد الوالي عمّال الصدق ، كان كفقد المقاتل السلاح يوم الحرب . ويحتاج إلى طبقات الرجال كما تحتاج الحرب إلى أصناف العدّة ، فمنها الدرق للاستجنان « 1 » ، والسيف للمناجزة « 2 » ، والرمح للمطاعنة ، والسهم للمباعدة ، والدرع للتحصن « 3 » ، ولكل منها موضع ليس للآخر . والرجال للملك كالأداة للصانع ، لا يسد بعضها مسدّ بعض ، كذلك طبقات الرجال للملك ، منهم للرأي والمشورة ، ومنهم لإدارة الحرب ، ومنهم لمباشرة الحرب ، ومنهم لجمع الأموال ، ومنهم لحفظها ، ومنهم للحماية ، ومنهم للكتابة ، ومنهم للجمال والفخر ، ومنهم للمباهاة والذكر ، ومنهم للدّعاء والوقار ، ومنهم للعلم والفتيا وحفظ أساس الملة ، فلا يكمل للملك ملك ما لم يجمع هذه الطبقات . وقال أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه : لما مات كسرى بلغ موته رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقال : » من استخلفوا ؟ قالوا : ابنته بوزان ، قال : « لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة » « 4 » . وقال ابن عباس : لما كانت فتنة الحرة « 5 » قيل : من استعمل القوم ؟ قالوا :

--> ( 1 ) الدرق للاستجنان : أي التروس للاستتار بها من الطّعان والضربات ( يقال استجنّ بالشيء : استتر به ) . ( 2 ) السيف للمناجزة : للمبارزة والقتال . ( 3 ) أي يستعمل الرمح للطعن من قريب ، والسهم للرمى من بعيد ، والدرع للوقاية من الضربات . ( 4 ) الحديث : رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري والترمذي والنسائي عن أبي بكر بلفظ ( لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة ) والحديث صحيح ( الجامع الصغير للسيوطي رقم 7393 ) . ( 5 ) فتنة الحرة أو وقعة الحرة : وقعت في شرق المدينة في الحرة حين استباح جيش يزيد بن معاوية بقيادة مسلم بن عقبة المدينة المنورة .